لكن التعبير القرآني في الآية لا يعطي المساواة المطلقة كما تعسفه بعض المفسرين المستعجلين في النظر إلى مدلول الآية حتى في سياقها فذهبوا يقررون مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في كل شيء مستدلين على ذلك بهذه الآية وما شاكلها، والحق أن الآية إنما قررت مبدأ المساواة في العدل في الحقوق والواجبات،ولم تقرر مبدأ المساواة في التكاليف بتلك الحقوق والواجبات ؛لأن ذلك قد يكون جورا وظلما،لما قد يترتب عليه من تكليف أحدهما بما لا يناسبه بحجة العدل للآخر المكلف في ذلك بما يناسبه،إن الرجل مطالب بالعدل بين أبنائه والمساواة بينهم في ذلك :"فاتقوا الله وأعدلوا بين أبنائكم" لكن ذلك لا يلزم منه المساواة بينهم في الحقوق والواجبات بل العدل تكليف كل بما يطيق من ذلك؛ للتفاوت والفروق الفردية التي تكون بين الأبناء،إن حق كل منهما في المطعم والملبس كفايته، ومن التعليم مقدرته، فلو كان له ولدان أحدهما لا يكفيه من الطعام إلا دجاجة وثلاث أرغفة، والآخر يكفيه ربع دجاجة ورغيف واحد لكان العدل يقتضي إعطاء كل منهما كفايته فيعطى الأول دجاجة وثلاث أرغفة ويعطى الثاني ربع دجاجة ورغيفا، وذلك هو مقتضى العدل ولو ذهب يسوي في العطاء لظلمهما فلو أعطى الأول ربع دجاجة ورغيفا لظلمه لأنه لم يعطه كفايته، ولو أعطى الثاني دجاجة وثلاث أرغفة لظلمه لأنه كلفه في ذلك بما لا يطيق وما لا تتسع له معدته.
وكذا في التعليم، فالعدل بينهما أن يعطى كل منهما ما يستطيعه ويناسبه، فلو كان أحدهما يحفظ ربعا من القرآن في جلسة واحدة والآخر لا يستطيع أكثر من ربع صفحة لكان العدل أن يعطي كلا منهما ما يستطيعه فلو أعطى الأول ما أعطى الثاني لظلمه لأنه قصره على ما يستطيع أكثر منه، ولو أعطى الثاني ما أعطى الأول لظلمه لأنه كلفه بما لا يطيق، فكذلك هذه الحقوق المساواة فيها في العدل لا في مبدأ التكليف، فما اشتركا فيه فلكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه، وما اختص به كل منهما للآخر عليه ما يقابله مما اختص به الآخر، وذلك هو العدل المطلق، وهو الذي تقرره نصوص الكتاب والسنة.
وفي ظل هذه المساواة في الحقوق والواجبات قد تشرئب نفس المرأة إلى المساواة المطلقة فتنسى درجة القوامة فترى أن لها من ذلك مثل ما عليها، فيذكرها السياق بتلك الخصوصية للرجل، في إشارة لا تكسر الخاطر ولا تعكر صفو هذه المساواة في العدل، - لأن تلك القوامة حين ذكرت في سياقها ومكانها ذكر للمرأة فيها ما يقابلها من الإنفاق ونحوه: :{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] – وليس المقام هنا مقام تقرير تلك القوامة وما يقابلها من حقوق للمرأة، بل المقام مقام إشارة إليها وتذكير بها، حتى لا تنسى في غمرة نشوة هذه المساواة في الحقوق الواجبات.
ولكن السياق حين أعطى الرجل تلك الدرجة وذكر المرأة بها لم يغفل ذكر ما يحد من تلك الدرجة وما قد تورثه عند الرجل من استعلاء، فختم الآية بما يشل حركة كل مستكبر مستعل:{وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228]، فالله عزيز قد قهرت عزته وسلطانه كل عزة وسلطان، حكيم يضع الأمور مواضعها، فاقتضت حكمته العدل والإنصاف، وتكليف كل إنسان بما يطيقه ويناسبه، واقتضت عزته الانتصاف لمن تُعدي على حقه رجلا كان أو امرأة، ولا ناصر لمن أراد الله الانتصاف منه، فليقتصر كل على ما له،وليؤد ما عليه، وفق شرعه العزيز الحكيم.
منقول للفائدة.